العودة للخلف

(الخامس والعشرون) لا تحقرن حسنة، ولا سيئة

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 6

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ الله تعالى يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89-90]. ويقول سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8] .

ويقولُ النبيُّ : «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ»([1]).

نقلَ الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله -عند هذا الحديث- عن ابن بطال رحمه الله أنه قال: «فيه أنَّ الطاعة مُوصِلة إلى الجنة، وأنَّ المعصية مُقرِّبة إلى النار، وأنَّ الطاعة والمعصية قد تكون في أَيسَرِ الأشياء».

ثمَّ قال ابن حجر: «فينبغي للمرء أنْ لا يزهد في قليلٍ مِن الخير أنْ يأتيَه، ولا في قليل مِن الشرِّ أن يجتنبَه، فإنه لا يعلمُ الحسَنةَ التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها»([2]).

* فلا يجوز لمُسلم أنْ يحتقرَ العمَل الصالح وإنْ كان قليلًا، فإنه لا يدري بأي عمل تكون نجاته.

وقد نَهى النبيُّ ﷺ من ذلك فقال: «لَا تَحْقِرنَّ  مِنَ المَعرُوفِ شَيئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»([3]).

وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ»([4]). يعني: تجود ولو بالقليل، ولو بعَظم قليلِ اللحْم.

وهذا أيضًا نهيٌ عن احتقار واستصغار المصّدِّق والُمهدي الهديةَ والعطية فيَجُودُ مِن الموجود.

وربما كان العمل اليسير سببًا في دخول الجنة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ»([5]).

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ»([6]).

وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ الله بِهَا دَرَجَاتٍ»([7]).

وفي المسند عن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»([8]).

وفي البخاري من طريق أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِيَ الله عَنْهُ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: «أَسْلِمْ، ثُمَّ قَاتِلْ»، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا».

ولفظ مسلم: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ -قَبِيلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ- فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَمِلَ هَذَا يَسِيرًا، وَأُجِرَ كَثِيرًا»([9]).

وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ»، وفي لفظ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»([10]).

وهذا مِن أوضح الأدلة في عناية المسلم بالأعمال الصالحات، وأنه لا ينبغي أن يستهين بباب من أبواب الخير فربما كان وقايته من النار.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ»([11]).

وقوله: (بعدل تمرة) أي: ما يعادلها وزنا أو قيمة. ومعنى (فَلُوّه): أي: مُهْرَه وهو صغير الخيل.

وذمَّ اللهُ تعالى الذين يَحتقِرون العملَ الصالح، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ». فكُنَّا نُحَامِلُ، قَالَ فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ، قَالَ: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾»([12]).

وقوله: كنا نُحَامِل: معناه نَحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق من تلك الأجرة أو نتصدق بها كلها. واللفظ فيه: معنى تكلُّف الحَمْل على مشقّةٍ.

ولهذا في الصَّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»([13]).

وفي هذا الحديث عظمة العمل القليل من الصحابة رضي الله عنهم.

وعن جرير رضي الله عنه قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء: 1] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ [الحشر: 18] «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ»([14]).

والشاهد منه: أنَّ النبيَّ حثّ على العمل الصالح ولا يَستقِلّ العاملُ شيئًا ولو تصدَّق بملئ كَفِّه، أو بشق تمرة.

ونحن في هذه العشر المباركات أحوج ما يكون إلى التزوُّد من الأعمال الصالحات، نسأل اللهُ تعالى أن يوفّقنا للعمل الصالح وأن يتقبله منا. اللهم إنك عفوّ تحبُّ العفو فاعف عنا. والحمد لله رب العالمين.

 


([1]) صحيح البخاري 6488 .

([2]) فتح الباري  11/ 321 ط السلفية.

([3]) مسلم 2626 .

([4]) البخاري 2566 ، مسلم 1030 .

([5]) البخاري 3467 ، ومسلم 2245 . والموق: خُفّ غليظ. يعني استقت للحيوان من البئر فيه.

([6]) صحيح مسلم 1914.

([7]) البخاري 6478.

([8]) مسند أحمد 15852.

([9]) البخاري 2808 ، ومسلم 1900 .

([10]) البخاري 1413 ، مسلم 1016 .

([11]) صحيح البخاري 1410، مسلم 1014 .

([12]) البخاري 1415 ، ومسلم 1018.

([13]) مسلم 2540. والبخاري 3673 عن أبي سعيد رضي الله عنه.

([14]) صحيح مسلم 1017 .

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح